ابن كثير
231
البداية والنهاية
من زمن إسكندر بن فلبيس المقدوني اليوناني وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله ومزق شمل الفرس شذر مذر عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته ويحفظ حصته ويستغل محلته فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الامر كذلك قريبا من خمسمائة سنة حتى كان ازدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ورجعت الممالك برمتها إليه وأزال ممالك مملوك الطوائف ولم يبق منهم تلد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر بني إسماعيل وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة تقدم ذكر إسماعيل نفسه عليه السلام مع ذكر الأنبياء وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر فاسكنها بوادي مكة بين جبال فاران ( 1 ) حيث لا أنيس به ولا حسيس وكان إسماعيل رضيعا ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ليس عند أمه سوى جراب ( 2 ) فيه تمر ووكاء فيه ماء فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم وشفاء سقم كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري ( 3 ) رحمه الله . ثم نزلت جرهم وهم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شئ إلا ما يشربون منه وينتفعون به فاستأنست هاجر بهم وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ( 4 ) ثم فارقها وتزوج غيرها وتزوج بالسيدة ( 5 ) بنت
--> ( 1 ) فاران : كلمة عبرانية معربة ، وهي من أسماء مكة ذكرها في التوراة ، وقيل هي اسم لجبال مكة . ياقوت 4 / 324 . ( 2 ) في الأزرقي : شنة فيها ماء تشرب منها وتدر على ابنها وليس معها زاد - 1 / 55 . ( 3 ) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق - باب يزفون النسلان في المشي ج 2 / 113 . ( 4 ) في الأزرقي : عمارة بنت سعيد بن أسامة . والذي في الروض الآنف : جداء بنت سعد وهي المرأة التي أمره أبوه بتطليقها ثم تزوج أخرى : سامة بنت مهلهل ، وقيل عاتكة . امرأة من العماليق بنت صبدى الطبقات 1 / 51 المسعودي : الجداء بنت سعد 2 / 51 . ( 5 ) كذا في الروض الآنف وفي الطبري - وفي ابن هشام رعلة 1 / 5 وفي الأزرقي 1 / 86 . وقال الكلبي رعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوزان بن جرهم الطبقات 1 / 51 . المسعودي : سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بنت نبت 2 / 52 .